نصر حامد أبو زيد
244
الاتجاه العقلي في التفسير
المعتزلة . وإذا كان أبو عبيدة قد استخدم مصطلح « المجاز » بمعنى عام جدا يشمل كل تغير في الأسلوب ، فإن معاصره الفراء - وله ميول اعتزالية واضحة - كان أكثر تحديدا في استخدام المصطلح ، وذلك رغم مدخله النحوي عموما ، ورغم أنه لم يستخدم كلمة « مجاز » واستخدم منها صيغة الفعل « تجوز » . ورغم التداخل بين المصطلحات في مؤلفات الجاحظ ، فإنه يعدّ أول من حدد مفهوم المجاز باعتباره قسيما للحقيقة ، وأدخل في عناصره التشبيه والمثل والاستعارة والكناية والحذف . واستطاع الرماني أن يبلور كثيرا من جوانب التأثير النفسي الذي تحدثه العبارة المجازية ، تلك الآثار التي تعجز العبارة الحقيقية عن التعبير عنها . وتفرّد الرماني بالتركيز على جانب التأثير النفسي للتعبير المجازي يعدّ نتيجة طبيعية لانشغاله بالبحث عن أوجه الاعجاز في القرآن ، وعدم انشغاله بالغايات التأويلية والدفاعية التي انشغل بها سابقوه . غير أن الرماني - وهو معتزلي - لم يكن بعيدا تماما عن الغاية التأويلية ، ولكنها جاءت هامشية في كتابه ، ولم يضع فيها جهده كله . ولم ينفصل البحث في المجاز عند القاضي عبد الجبار عن تصوره لطبيعة اللغة وشروط دلالتها . ولقد انتهى إلى جواز وقوع المجاز في الاسم المفرد وفي التركيب معا . غير أنه اشترط في الاسم المفرد أن يكون له حقيقة أولا قبل نقله من معناه الحقيقي لمعنى مجازي ، كما اشترط وجود مشابهة بين المعنى المنقول إليه اللفظ ، والمعنى المنقول عنه . وعلى مستوى التركيب أجاز وقوع المجاز في الكلام ، ما دامت معرفة قصد المتكلم ستؤدي بنا إلى معرفة مراده . وفي هذا الصدد فرق القاضي بين المتكلم في الشاهد ، والمتكلم في الغائب - وهو اللّه - وذهب إلى أن معرفتنا بقصد المتكلم في الشاهد هي معرفة اضطرار . وعلى عكس ذلك معرفتنا بقصد اللّه فهي معرفة نظرية استدلالية . وإذا كانت معرفتنا بعدل اللّه - وهي قصده في أفعاله عموما - معرفة عقلية لا تستند إلى الشرع ، فإن معرفتنا بكلامه - والكلام فعل من أفعاله - لا تتم إلّا بعد معرفة قصده . فإذا ورد في كلامه ما يوهم التناقض مع معرفتنا العقلية بقصده ، كان ذلك مجازا . وهكذا يصبح المجاز وسيلة لرفع التناقض الظاهري بين كلام اللّه ، وبين معرفتنا العقلية بعدله وتوحيده . أو بمعنى آخر يصبح المجاز وسيلة للتأويل وأداة رئيسية له . ومن الطبيعي - والحالة هذه - أن يتسع المجاز ليشمل كل ما اندرج تحته من عناصر تصويرية أو أسلوبية . ولقد وجد المعتزلة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وسيلة دينية شرعية للتأويل ، رغم أنهم أخضعوا دلالة القرآن كله للدليل العقلي . وكان من الطبيعي أن